أبي الفرج الأصفهاني

377

الأغاني

قالت عمّتي : هذا شعر حسن ، فكيف به إذا قطَّع ومدّد تمديد الأطربة [ 1 ] وضرب عليها بقضبان الدّفلى [ 2 ] على بطون المعزى ! فما مضت الأيام والليالي حتى سمعت اللحن مؤدّى ، فما خرق مسامعي شيء قطَّ أحسن منه ؛ ولقد أذكرني بما يؤثر من حسن صوت داود وجمال يوسف . فبينا أنا يوما جالسة [ 3 ] إذ طلع عليّ إبراهيم ضاحكا مستبشرا ؛ فقال لي : ألا أحدّثك بعجب ؟ قلت : وما هو ؟ قال : إن لي شريكا / في عشق صوت جميلة . قلت : وكيف ذلك ؟ قال : كنت عند سياط في يومنا هذا وأنا أغنّيه الصوت وقد وقّفني فيه على شيء لم أكن أحكمته عن يونس ، وحضر عند سياط شيخ نبيل فسبّح على الصوت تسبيحا طويلا ، فظننت أنه فعل ذلك لاستحسانه الصوت . فلما فرغت أنا وسياط من اللحن قال الشيخ : ما أعجب أمر هذا الشعر وأحسن ما غنّي به وأحسن ما قال قائله ! . فقلت له دون القوم : وما بلغ من العجب به ؟ قال : نعم ! حجّت سبيعة من ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة ، وكانت من أجمل النساء ، فأبصرها عمر بن أبي ربيعة ، فلما انحدرت إلى العراق اتّبعها يشيّعها حتى بلغ معها موضعا يقال له الخورنق . فقالت له : لو بلغت إلى أهلي وخطبتني لزوّجوك . فقال لها : ما كنت لأخلط تشييعي إياك بخطبة ، ولكن أرجع ثم آتيكم خاطبا ؛ فرجع ومرّ بالمدينة فقال فيها : قال ابن أبي ربيعة شعرا في سبيعة فلحنته وعلمته جارية من جواريه : من البكرات عراقيّة تسمّى سبيعة أطريتها ثم أتى بيت جميلة فسألها أن تغنّي بهذا الشعر ففعلت . فأعجبه ما سمع من حسن غنائها وجودة تأليفها ، فحسن موقع ذلك منه ، فوجّه إلى بعض موالياته ممن كانت تطلب الغناء أن تأتي جميلة وتأخذ الصوت منها ؛ فطارحتها إياه أيّاما حتى حذقت ومهرت به . فلما رأى ذلك عمر قال : أرى أن تخرجي إلى سبيعة وتغنّيها هذا الصوت وتبلَّغيها رسالتي ؛ قالت : نعم . جعلني اللَّه فداك . فأتتها فرحّبت بها ، وأعلمتها الرسالة ، فحيّت وأكرمت ، ثم غنّتها فكادت أن تموت فرحا وسرورا لحسن الغناء والشعر . ثم عادت رسول عمر فأعلمته ما كان وقالت له : إنها خارجة في تلك السنة . حج سبيعة ثانية وسؤالها جميلة أن تغنيها بشعر عمر فيها : فلما كان أوان الحج استأذنت سبيعة أباها في الحج ، فأبى عليها وقال لها : قد حججت حجّة الإسلام . قالت له : تلك الحجّة هي التي أسهرت ليلي وأطالت / نهاري / وتوّقتني [ 4 ] إلى أن أعود وأزور البيت وذلك القبر ؛ وإن أنت لم تأذن لي متّ كمدا وغمّا ؛ وذلك أن بقائي إنما كان لحضور الوقت ، فإن يئست فالموت لا شكّ نازل بي . فلما رأى ذلك أبوها رقّ لها وقال : ليس يسعني منعها مع ما أرى بها ، فأذن لها . ووافى عمر المدينة ليعرف خبرها ؛ فلما قدمت علم بذلك . وسألها أن تأتى منزل جميلة ، وقد سبق إليه عمر ، فأكرمتها جميلة وسرّت بمكانها . فقالت لها سبيعة : جعلني اللَّه فداك ! أقلقني وأسهرني صوتك بشعر عمر فيّ ، فأسمعيني إيّاه . قالت جميلة : وعزازة لوجهك الجميل ! فغنّتها الصوت ، فأغمي عليها ساعة حتى رشّ على وجهها الماء وثاب إليها عقلها . ثم قالت : أعيدي عليّ ، فأعادت الصوت مرارا في كل مرّة يغشى عليها . ثم خرجت إلى مكة وخرج معها . فلما رجعت مرّت بالمدينة وعمر

--> [ 1 ] هذا جمع غريب . [ 2 ] الدفلي : نبت مر زهره كالورد الأحمر ، وحمله كالخروب ، وألفه للإلحاق عند جماعة فينوّن نكرة ، وللتأنيث عند آخرين فلا ينون . [ 3 ] في جميع الأصول : « جالس » . [ 4 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : « وذوبت قلبي أن أعود . . . إلخ » .